أبي منصور الماتريدي

104

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل على الصلة بالأول « 1 » ، وهو أنهم إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض ، عرفوا ألوهية الله وربوبيته ؛ لما يرون من اتصال منافع بعض ببعض على بعد ما بينهما ، واتساق التدبير في ذلك ، فعرفوا أن ذلك كله مسخر لمن له التمييز ، وأن المقصود في خلقه أهل التمييز ، فإذا عرفوا ذلك عرفوا أنهم يحتاجون إلى من يعرفهم ذلك ، ويعلمهم ما يحتاجون في ذلك . ويحتمل على ابتداء الأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ؛ ليدلهم على وحدانية [ الله ] « 2 » وربوبيته . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ . كأن هذا نزل فيمن عرف صدقه ، لكنه عاند في تكذيبه ، فقال : وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يحذرهم ؛ ليرجعوا إلى تصديقه ، مخافة الخروج من الدنيا على ما هم عليه . وقوله - عزّ وجل - : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ . هذا يتوجه وجهين : أحدهما : أنكم ممن تقبلون « 3 » الأخبار والحديث ، فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وخبره ولم تصدقوه ، فبأي حديث بعده تقبلون وتصدقون ، ومعه حجج وبراهين ؟ والله أعلم . والثاني : أن يكون قوله : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ يعني ] « 4 » بعد القرآن يؤمنون ، وهو كما وصفه : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . . . الآية [ فصلت : 42 ] ، وقال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] ، فإذا لم تقبلوا هذا ولم تصدقوه وهو بالوصف الذي ذكر ، وأنتم ممن تقبلون الحديث ، فبأي حديث بعده تقبلون « 5 » . وجائز أن يكون قوله : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يريد به في الآخرة ؛ يقول : إذا اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ، أي : لا حديث بعده يؤمنون به ، والتأويل الآخر في الدنيا .

--> ( 1 ) في ب : للأول . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : يقبلون . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) زاد في ب : بعده .